الشيخ محمد رشيد رضا

647

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أَهْلَها ) وهو ضد الخلق فان الخلق هو فعل الشيء بتقدير ورفق والخرق بغير تقدير - وذكر الآية - وقوله بغير تقدير أي بغير نظام ولا هندسة هو الصواب وقوله قبله من غير روية ولا تدبر خطأ ظاهر . ويناسب هذا من معاني المادة الخرق ( بالضم ) وهو الحمق ضد الرفق يقال خرق زيد يخرق ( بالضم فيهما ) فهو أخرق وهي خرقاء . وقال صاحب اللسان : وخرق ( من باب ضرب ) الكذب وتخرقه وخرّقه كله اختلقه - وذكر الآية وان نافعا قرأ وخرقوا ( بالتشديد ) وسائر القراء قرأوا بالتخفيف ، ثم قال : ويقال خلق الكلمة واختلقها وخرقها واخترقها إذا ابتدعها كذبا . اه ولعل ما تقدم من الفرق بين الخلق والخرق في الافعال ، يأتي نظيره في الأقوال ، فالخلق الكذب المقدر المنظم والخرق الكذب الذي لا تقدير فيه ولا نظام ، ولا روية ولا انعام ، فههنا يظهر التقييد بنفي التدبر والنظر ، ويؤيده قوله تعالى « بِغَيْرِ عِلْمٍ » قال في الكشاف : من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوه من خطأ وصواب ، ولكن رميا بقول عن عمى وجهالة من غير فكر وروية اه وهو بيان وتوكيد لمعنى « خرقوا » فهذا التعبير : من أدق بلاغة التنزيل ، وهو بيان معنى الشيء بما يدل على تزييفه . وتنكير العلم هنا في حيز النفي بغير للدلالة على انسلاخ هؤلاء المشركين في خرقهم هذا عن كل ما يسمى علما فلاهم على علم بمعنى ما يقولون ولا على دليل يثبته ، ولا على علم بمكانه من الفساد والبعد من العقل ، ولا بمكانه من الشناعة والازراء بمقام الألوهية والربوبية ، إذ لو علموا بذلك لما ارتضوه لان أكثرهم مؤمنون بخالقهم وخالق كل شيء ، وهم يتقربون اليه بما اتخذوه له من شريك وولد سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ أي هو منزه عن ذلك متعال عنه لأنه نقص ينافي انفراده بالخلق والتدبير ، وكونه ليس كمثله شيء ، وتقدم تحقيق معنى سبحان والتسبيح والتقديس في أواخر سورة المائدة . والتعالي العلو والبعد عما لا يليق الذي يظهر للناظر المتفكر مرة بعد مرة بالنسبة إلى ما علا عنه وبعد عن مشابهته من الأشياء كلها ، فهو من قبيل « توافد القوم » في الجملة ، ولو كان له تعالى ولد لكان له جنس بعد جميع أفراده - ولا سيما أولاده - نظراء له فيه ، وهذا باطل عقلا ونقلا عن جميع رسل اللّه وجميع حكماء البشر وعقلائهم من جميع الأمم ، ولكن الذين اخترعوا للناس عقائد الوثنية في عصور الظلمات ، وأزمنة التأويلات ، ذهبوا هذه المذاهب من